الشوكاني

340

فتح القدير

وقلوبهم تأبى ذلك وتخالفه وتود ما فيه مساءتكم ومضرتكم ، كما يفعله أهل النفاق وذوو الوجهين ، ثم حكم عليهم بالفسق ، وهو التمرد والتجري ، والخروج عن الحق لنقضهم العهود ، وعدم مراعاتهم للعقود ، ثم وصفهم بقوله ( اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا ) أي استبدلوا بآيات القرآن التي من جملتها ما فيه الأمر بالوفاء بالعهود ثمنا قليلا حقيرا ، وهو ما آثروه من حطام الدنيا ( فصدوا عن سبيله ) أي فعدلوا وأعرضوا عن سبيل الحق ، أو صرفوا غيرهم عنه . قوله ( لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ) قال النحاس : ليس هذا تكريرا ، ولكن الأول لجميع المشركين ، والثاني لليهود خاصة ، والدليل على هذا ( اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا ) يعني اليهود ، وقيل هذا فيه مراعاة حقوق المؤمنين على الإطلاق ، وفي الأول المراعاة لحقوق طائفة من المؤمنين خاصة ( وأولئك هم المعتدون ) أي المجاوزون للحلال إلى الحرام بنقض العهد ، أو البالغون في الشر والتمرد إلى الغاية القصوى ( فإن تابوا ) عن الشرك والتزموا أحكام الإسلام ( فإخوانكم ) أي فهم إخوانكم ( في الدين ) أي في دين الإسلام ( ونفصل الآيات ) أي نبينها ونوضحها ( لقوم يعلمون ) بما فيها من الأحكام ويفهمونه ، وخص أهل العلم لأنهم المنتفعون بها ، والمراد بالآيات ما مر من الآيات المتعلقة بأحوال المشركين على اختلاف أنواعهم . وقد أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ( إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ) قال : قريش وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد نحوه . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل قال : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم عاهد أناسا من بني ضمرة بني بكر وكنانة خاصة ، عاهدهم عند المسجد الحرام وجعل مدتهم أربعة أشهر ، وهم الذين ذكر الله ( إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ) يقول : ما وفوا لكم بالعهد ففوا لهم . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال : هم بنو جذيمة . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ( إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ) قال : هو يوم الحديبية . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ( إلا ولا ذمة ) قال : الإل القرابة والذمة العهد . وأخرج الفريابي وأبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال : الإل الله عز وجل . وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة مثله . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ( اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا ) قال : أبو سفيان بن حرب أطعم حلفاءه وترك حلفاء محمد صلى الله عليه وآله وسلم . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ( فإن تابوا ) الآية يقول : إن تركوا اللات والعزى وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإخوانكم في الدين . وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : حرمت هذه الآية قتال أو دماء أهل الصلاة . سورة براءة الآية ( 12 - 14 )